ابن عربي

130

مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية

بالقلم فأثبت نفسك كاتبا لكن استعنت على كتابتك بالقلم . ولذلك قال اللّه تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) « 1 » فعلّم الخلق كلهم بالقلم « 2 » . وهو العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض ، هو العقل الأول ، وهو الحقيقة المحمدية ، وهو الباء . فكما تقول بالحق ظهرت الأشياء ، كذلك تقول بالباء ظهرت الأشياء . لأن الباء اسم لهذه الحقيقة المعقولة ، كما أن من أسمائها ما ذكرناه وهو القلم « 3 » ، والحق ، والعدل ، والعقل . فهذه كلها أسماء لهذه الحقيقة التي اسمها الباء ، وأحسن أسمائها الباء من طريق ظهور الأشياء بها . ولأن « 4 » الباء يعطى الإلصاق ، تقول : مررت بالمسجد . أي : ألصقت المرور به . إنما ظهرت الأشياء بالباء فإنه واحد ، ولا يصدر عنه إلا واحد ، وهو الصحيح . فكأن الباء أول شيء يصدر عنه فهي ألف على الحقيقة

--> ( 1 ) الآية رقم ( 4 ) من سورة العلق . ( 2 ) هو هنا تكلم على أن القلم هو العقل الأول ، والحقيقة المحمدية ، والباء . ف - ( القلم ) : هو فعلا يكنون به عن علم التفصيل . و ( العقل الأول ) : هو أول جوهر قبل الوجود من ربه وقبل الفيض . و ( الحقيقة المحمدية ) : يشيرون بها إلى الحقيقة المسماة ب - ( حقيقة الحقائق ) السارية بكليتها في كلها سريان الكلي في الجزئيات . وإنما كانت الحقيقة المحمدية هي صورة حقيقة الحقائق لأجل ثبوت الحقيقة المحمدية في حقائق الوسطية والبرزخية والعدالة . بحيث لم يغلب عليه ( صلى اللّه عليه وسلم ) حكم اسم أو صفة أصلا فكانت هذه البرزخية الوسطية هي عن النور الأحمدي المشار إليه بقوله ( صلى اللّه عليه وسلم ) : أو ما خلق اللّه نوري . وهو حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري وهو حديث مشهور جدا . فهو ( صلى اللّه عليه وسلم ) أول ما خلق اللّه تعالى . وبهذا الاعتبار سمي ( صلى اللّه عليه وسلم ) بنور الأنوار ، وبأبي الأرواح ، فهو أول ، وهو أيضا خاتم كما قال تعالى : ( وخاتم النبيين ) وقوله ( صلى اللّه عليه وسلم ) : ( نحن الأولون الآخرون ) . أمّا ( العدل ) المقصود به الحق المخلوق فهو : عبارة عن أول مخلوق خلقه اللّه تعالى ، قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ( 85 سورة الحجر ) وهو الإنسان الكامل ، وليس هناك ولا هنا أكمل منه ( صلى اللّه عليه وسلم ) . ولهذا تفاصيل كثيرة انظر : القاشاني : معجم المصطلحات والإشارات الصوفية 1 / 426 ، 2 / 153 ، 2 / 147 . ( 3 ) في النسخة ( ط ) : ( العلم ) . ( 4 ) في النسخة ( ط ) : ( والآن الباء تعطي ) .